ابن بطوطة

320

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

صابرة لا يضجرها سائل ، ولا يروعها ثعبان النهر وهي حامل . لا جرم أن قلبها قد تقوى بشراب العود ، وجسمها قد صبح ببركة الركوع ، والسجود مشتغلة بالتصريف إلّا أنها لا تعرف اعتلال العين . عاكفة على التأويب والسرى إلّا أنها لا تشكو بالأين . معربة نصبت فعلها وقلبت أكوابها ؟ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها . خليلية أعجبها التقطيع ، وأظهرت الدائرة التي يخرج منها السريع . شامخة لها الفلك الثابت العمد ، يحل الماء منه بالقوس ثم يحل بالزاوية في الأسد . جانية على كل روضة غضّة ، محلّية لها من مائها المتلون بأساور من فضة . ماثلة لا تعرف الخوف ، ضخمة تدور إلى الشرق وتملأ الجوف . قائمة صرفت وفد النسيم أحسن الصرف . وسجنت الماء لأنه فرّ عند الزحف . إلّا أنها لا تزال تخرجه فيسير بإقبال النور البديع ، ويستحلف ربيعه فلا ينكر يوم دولاب استخلاف الربيع . سامية حازت أعظم البهاء . وغدت وعليها تاج كسرى تنادم ابن ماء السماء ، وربما نقضت النهر لما حازت فضله الظاهر استعلاء . حسنة السرائر . ماؤها في قلبها خاطر من الخواطر . مهتدية إلى الري اهتداء الطيف ، غير مكترثة وقد انتحت أكوابها من نهرها بالسيف . مصلحة إذا أيبس الأصحاب بينهم الثرى . ممتطية من مائها الأفجر فلا غرو إن جرى . وفيه ضمنت للروض نجاز الوعود ، وطلع عليها سعد مولانا أيّده اللّه وهو سعد السعود ، فلا غرو أن أرى جريان الماء في العود . ومن العجائب أن دولابها معظم عند بني مرين وهو عند الوادي ، مضيق عليه وهو يجود بأعظم من صوب الغوادي . ويسر الجار الجنب لا سيما إذا قرب الصباح ونادي المنادي . وكم أظهر في خدمة الصالحين من فعل الأكياس ، إلّا أنه إذا ذكر له رأس الماء أحب دورانا في الرأس . راقية إذا شكا الماء بداء الضرع ، وإن ارتفع خشبها الذي أمن من الصدع . سقت بمثل الكافر . هو الأرزة مثل المؤمن ، وهي خامة الزرع ، فللّه درّها حين أتت من المحاسن بفنون . وكشفت عن مجنون ؟ لا يتاح به منجى نون . فروت من سيلها عن المنكدر ، ودارت على القطب فعرفته معرفة المختبر . ورأت بالزاوية الابدال . وعرفت المقامات والأحوال ، فلو نطقت لقالت : ما النية إلّا نيّتي ، وأنشدت مخاطبة نواعير المصارة : وما شرب العشاق إلّا بقنتي . ولا أعجب منها حين اتحفت بالسقط ، وأبهجت بنقطها ولا بد للدوائر من النقط . فهي الطاهرة القلب ، المحبوبة القرب ، التي تأدّب الماء مع أكوابها ، ما أتى بيوتها إلّا من أبوابها . وقصد بالزاوية الأخيار ، وقيل ذا الجدار وذا الجدار .